صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
83
الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة
البدنة متلطخة بالملكات المذمومة والهيئات المرذولة وزال الحجاب البدني وفيها مادة الشعلات الجحيمية وكبريت الحرقات الباطنية والنيرانات الكامنة اليوم فشاهدتها بعين اليقين وقد أحاطت بها سرادقها وأحدقت بقلبها عقاربها وحياتها وعاينت مرارة شهوات الدنيا وتأذت بمؤذيات أخلاقها وعاداتها وردت إليها مساوئ افعالها ونتائج اعمالها كما قال الصادق ع انما هي اعمالكم ترد إليكم وقال رب شهوة ساعة أورث حزنا طويلا ويكون حال الانسان المتألم بهذا العقاب بسبب الهيئات الردية كحال الانسان المنهوم المقصر في الحمية إذا ردت اليه شده نهمته وقوه شهوته وضعف معدته أوجاعا وأمراضا مؤلمة فيكون هذا التألم من لوازم ما ساق القدر اليه من الشهوة المؤدية إلى هذا التألم لا لان الطبيب الذي امره بالاحتماء ينتقم منه . ومنها وهو من ركيك الاعتراضات ( 1 ) على الحكماء انهم لما لم يقولوا بالحسن والقبح ( 2 ) في الافعال كما ذهب اليه المعتزلة ونفوا في افعال الواجب تعالى الغرض
--> ( 1 ) المعترض هو الإمام الرازي ط مد ظله ( 2 ) اي العقليين أقول إن هذا الا افك افتروه عليهم حاشا هم عن ذلك وكيف يقول الذين هم أبناء العقل واسلاءه بنفي التحسين والتقبيح العقليين نعم لما كان الحسن والقبح عندهم بمعنى موافقه الغرض والمصلحة وخلافها والحكماء باعتقاد هؤلاء نافون للفرض نسبوه إليهم فكأنهم يقولون ينبغي للحكيم ان لا يقول به . ولما كان هذه المسالة من معارك الآراء لا باس بذكر طرف من الكلام فيه فنقول اختلف في حسن الأشياء وقبحها بل هما عقليان أو شرعيان فذهب الحكماء والإمامية والمعتزلة الأول والأشاعرة إلى الثاني ثم إن المعتزلة اختلفوا فذهب الأقدمون منهم إلى أن حسن الافعال وقبحها لذواتها لا لصفات فيهما وذهب بعض من قدمائهم إلى اثبات صفه حقيقية توجب ذلك مطلقا في الحسن والقبح جميعا وذهب أبو الحسين إلى هذا في القبح دون الحسن فقال لا حاجه فيه إلى صفه محسنه بل يكفي انتفاء الصفة المقبحة وذهب الجبائي إلى أن ليس حسن الافعال وقبحها لصفات حقيقية فيها بل لوجوه اعتبارية وصفاف إضافية ويختلفان بحسب الاعتبارات في لطمه اليتيم تأديبا وظلما . والمراد من كون الحسن والقبح عقليين ان العقل يمكنه ان يفهم ان العقل الفلاني ممدوح في نفس الامر والاخر مذموم وان لم يرد به الشرع الأنور أو يمكنه فهم الجهة التي بها حسن الفعل فامر به الشارع أو قبح فنهى عنه إن كان بعد ورود الشرع وعدم فهمه جهات الحسن والقبح في بعض الأفعال لا يقدح في عقليتها لأنه يعلم اجمالا انه لو كان خاليا عن المصلحة أو المفسدة يقبح عن الحكيم طلب فعله أو تركه والمراد من كونهما شرعيين انه لا يمكن للعقل ادراك الحسن والقبح وان فاعل هذا يستحق المدح وفاعل ذاك يستحق الذم ولا ادراك جهات الحسن والقبح في فعل من الافعال لا قبل ورود الشرع ولا بعده وقد يقال المراد بالعقلية اشتمال الفعل على الجهة المحسنة أو المقبحة سواء أدرك العقل تلك الجهة أم لا وبالشرعية خلاف ذلك فعلى العقلية الشرع كاشف ومبين للحسن والقبح الثابتين له في نفس الامر ولا يجوز في الفعل الذي امر به ان ينهى عنه في ذلك الوقت بعينه ولا فيما نهى عنه ان يأمر به كذلك نعم يجوز إذا اختلف الوقت كما في صوره نسخ الاحكام وعلى الشرعية الشرع هو المثبت له لا الكاشف وليس الحسن أو القبح عائد إلى امر حقيقي في الفعل قبل ورود الشرع ويجوز التعاكس المذكور ولا علاقة لزومية بين فعل الصلاة مثلا ودخول الجنة ولا بين اكل أموال اليتامى ظلما واكل النار في الباطن ولذا لو ادخل الله العبد المؤمن العابد الزاهد النار والكافر المشرك الجنة لجاز عند أصحاب هذا المذهب بخلافه على مذهب التحقيق فان العلاقة اللزومية ثابته عقلا بين الأفعال الحسنة والصور الملذة وبين الافعال القبيحة والصور المؤلمة كما في الكتاب المجيد جزاء بما كنتم تعملون وجزاء بما كنتم تكسبون وقوله ص انما هي اعمالكم ترد إليكم وقولهم بنفي السببية والمسببية وجرى عاده الله تعالى باطل . إذا عرفت ذلك فاعلم أن الحق هو عقلية الحسن والقبح للعلم الضروري باستحقاق المدح على العدل والاحسان والذم على الظلم والعدوان وهذا العلم حاصل لكل عاقل وان لم يتدين بدين ولهذا يحكم به منكر الشرائع أيضا كالبراهمة وأيضا الحكم بحسن ما حسنه الشارع أو قبح ما قبحه يتوقف على أن الكذب قبيح لا يصدر عنه وان الامر بالقبيح والنهى عن الحسن سفه وعبث لا يليق به وذلك اما بالعقل والتقدير انه معزول واما بالشرع فيدور س قده .